يرى سامي العريان، مدير مركز الإسلام والشؤون العالمية في جامعة إسطنبول زعيم، أن التحالف الجديد بين السعودية وتركيا وباكستان ليس «ناتو إسلاميًا سنيًا» في مواجهة إيران، لكنه قد يؤسس لإطار أمني إقليمي مستقل يمكن أن ينضم إليه مستقبلًا كل من طهران والقاهرة ودول أخرى.
ويشير تحليل نشرته «ميدل إيست آي» إلى أن توقيع اتفاقية الدفاع المشترك في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس أثار موجة من القراءات التي رأت فيها تحالفًا عسكريًا بين ثلاث من أبرز الدول الإسلامية السنية، في مواجهة الصعود الاستراتيجي لإيران والاضطرابات التي تعصف بالمنطقة. لكن القراءة الأعمق، بحسب المقال، تضع الاتفاق في سياق تفكك تدريجي للنظام الأمني الذي قادته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لعقود.
تجمع السعودية في الاتفاق بين مواردها المالية الهائلة وموقعها الجغرافي والديني المحوري، بينما تقدم تركيا أحد أقوى الجيوش التقليدية في المنطقة إلى جانب صناعة دفاعية شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة. أما باكستان، فتأتي بأحد أهم عناصر القوة، ممثلًا في جيش كبير خاض تجارب قتالية، إلى جانب امتلاكها الترسانة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.
جغرافيًا، تقع تركيا شمال غرب إيران، وباكستان شرقها، بينما تقع السعودية جنوب غربها عبر الخليج، ما يجعل الدول الثلاث تبدو على الخريطة وكأنها تشكل قوسًا يحيط بإيران.
ويعزز توقيت الاتفاق هذه القراءة، إذ جاء بعد أشهر من الحرب التي شاركت فيها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد هجمات إيرانية استهدفت قواعد ومصالح أمريكية في عدد من دول الخليج. وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة عضو هجومًا على الدول الثلاث.
ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا البند بأنه يعادل فنيًا المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، مع تأكيده أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو أي دولة أخرى. ويشير ذلك إلى أن الوثيقة تتجاوز كونها إعلانًا سياسيًا رمزيًا آخر.
لكن تشبيه الاتفاق بحلف الناتو يحجب سؤالًا أكثر جوهرية: بعد أكثر من سبعة عقود من الهيمنة العسكرية الأمريكية الكاسحة على الشرق الأوسط، لماذا تحتاج السعودية إلى تركيا وباكستان للمساعدة في ضمان أمنها؟
قد يكون اتفاق مكة أقل ارتباطًا ببناء تحالف جديد ضد إيران، وأكثر ارتباطًا بالتفكك التدريجي للنظام الأمني المتمركز حول الولايات المتحدة، والذي هيمن على المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لا انتصار أمريكي في الحرب على إيران
استند النظام الأمني الذي قادته الولايات المتحدة في المنطقة لعقود إلى عدة افتراضات، أبرزها أن واشنطن ستظل الضامن النهائي لأمن حلفائها الإقليميين، وأن إسرائيل ستحافظ على تفوق عسكري ساحق على أي مجموعة محتملة من خصومها، وأن تبقى الدول العربية والإسلامية منقسمة بما يكفي لمنع ظهور منظومة أمن إقليمية مستقلة قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية.
لكن هذه الافتراضات الثلاثة تعرضت للاهتزاز.
كان الهدف من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران إظهار تفوق عسكري ساحق، ولم يكن هناك شك من الناحية المادية في اتساع الفارق بين قدرات الطرفين، إذ امتلكت واشنطن وتل أبيب تفوقًا هائلًا في القوة الجوية والاستخبارات والمراقبة والأسلحة الدقيقة والتكنولوجيا.
ورغم أن إيران تكبدت خسائر هائلة، فإن النتيجة السياسية للحرب، وهي المعيار الأهم في النهاية، جاءت بمثابة فشل استراتيجي لمهندسيها. فلم تنهَر الدولة الإيرانية، ولم تُسقط الحكومة، ولم تُدمّر القدرات العسكرية، والأهم أن طهران لم تستسلم ولم تُجبر على الخضوع لنظام إقليمي تصممه واشنطن.
بل أظهرت إيران قدرتها على الرد وفرض تكاليف باهظة على خصومها، وكشفت عن أحد أهم أصولها الاستراتيجية، وهو قدرتها على تعطيل مضيق هرمز، وبالتالي التأثير في جزء مهم من إمدادات الطاقة العالمية.
وبعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب، دخلت واشنطن في مفاوضات بشأن ترتيبات مرتبطة بمضيق هرمز، بينما طالبت طهران برفع العقوبات والحصول على تعويضات وتنازلات أخرى.
ووفقًا للمقال، نجحت إيران في الحصول على شروط مواتية للغاية في مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو 2026، وواصلت ممارسة نفوذ كبير بعدما أظهرت قدرتها على تحمل الهجوم والرد عليه.
وبدلًا من أن تعيد الحرب بناء الردع الأمريكي والإسرائيلي، كشفت حدود هذا الردع.
ومن المرجح ألا يقتصر الدرس الذي استخلصته الرياض على أن إيران تشكل خطرًا، بل أدرك القادة السعوديون عمق هشاشة النظام الأمني الذي اعتمدت عليه المملكة لعقود.
لا تريد السعودية أن تتحول إلى ساحة معركة تتصارع فيها واشنطن وتل أبيب وطهران، كما لا تريد أن تصبح مدنها ومنشآتها النفطية وبنيتها الاقتصادية رهينة لحروب لا تتحكم في توقيتها أو مستوى تصعيدها، أو أن يصبح بقاؤها مرهونًا حصريًا بقرارات تُتخذ في واشنطن.
وفي ضوء هذه التطورات، يبدو اتفاق مكة أقرب إلى استجابة لتفكك النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة، وليس مجرد تحالف موجه ضد إيران.
لا عدو مشترك بين السعودية وتركيا وباكستان
تكمن المشكلة في وصف الاتفاق الجديد بأنه تحالف مناهض لإيران في أن تركيا وباكستان لا تملكان مصلحة حقيقية تدفعهما إلى خوض حرب ضد طهران.
تنافست تركيا وإيران على مدى قرون، وتعارضت مصالحهما في سوريا والعراق والقوقاز ومناطق أخرى، لكن المنافسة لا تعني عداءً وجوديًا.
لا تريد أنقرة رؤية الدولة الإيرانية مدمرة أو مجزأة، لأن مثل هذه النتيجة قد تؤدي إلى تدفقات هائلة للاجئين نحو تركيا، وتفاقم النزعة الانفصالية الكردية، وظهور جماعات مسلحة جديدة على حدودها الشرقية، وتعطيل طرق التجارة والطاقة، وفتح الباب أمام جولة جديدة من التدخل الأجنبي في دولة مجاورة.
وأشار فيدان نفسه إلى إيران باعتبارها دولة جارة وصديقة لتركيا، مشددًا على استقرار الحدود التي ظلت دون تغييرات جوهرية لقرون، ومحذرًا من تداعيات زعزعة استقرار الدولة الإيرانية.
وتملك باكستان أسبابًا أقوى لرفض هذا المسار، إذ يمتد حدودها الطويلة مع إيران عبر منطقة بلوشستان الحساسة، ويمكن أن يؤدي تفكك إيران بسهولة إلى انتقال الاضطرابات عبر الحدود وتفاقم التحديات الانفصالية التي تواجهها باكستان نفسها.
وتظل الهند مصدر القلق الأمني التقليدي الأكبر لإسلام آباد، بينما تشكل الصين أهم شريك استراتيجي لها. ولذلك لن يكون فتح جبهة كبرى أخرى غربًا خيارًا منطقيًا.
وقد ترى السعودية في الاتفاق نوعًا من التأمين ضد إيران، لكن ذلك لا يعني أن تركيا وباكستان وافقتا على خوض حرب سعودية ضد طهران. والمفارقة أن الدولة التي تبدو الهدف الأكثر وضوحًا للاتفاق هي تحديدًا الدولة التي يرجح أن تكون تركيا وباكستان الأقل استعدادًا لخوض حرب ضدها.
وإذا كان الاتفاق يهدف فعلًا إلى التحول إلى تحالف عسكري تقليدي مناهض لإيران، فقد تؤدي هذه المفارقة إلى شل فاعليته. أما إذا كان هدفه أوسع من ذلك، فإن التناقض يصبح أقل غموضًا.
وتطرح اليمن والبحر الأحمر مشكلة مشابهة. فقد سعت السعودية مؤخرًا إلى تنظيم تحالف بحري متعدد الجنسيات بعدما هددت هجمات الحوثيين حركة الملاحة عبر باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، ولا سيما بعدما جعل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز طريق البحر الأحمر أكثر أهمية.
ولتركيا وباكستان مصلحة واضحة في إبقاء هذه الممرات المائية مفتوحة، وقد دعمتا جهود حماية الملاحة الدولية. لكن ذلك لا يعني أن أيًا منهما يريد الانجرار إلى حرب سعودية جديدة مع الحوثيين.
فالمشاركة في عمليات الأمن البحري تختلف تمامًا عن الانضمام إلى حرب مفتوحة وطويلة ضد الحوثيين داخل اليمن.
طموحات متباينة ومستقبل النظام الأمني الإقليمي
يستعيد العريان في مقاله محادثة خاصة أجراها في أنقرة عام 2018 مع مسؤول تركي بارز لا يزال يشغل منصبه حتى اليوم. وعندما سأله عن التوجه الاستراتيجي العام لتركيا، أجاب المسؤول: «ينبغي أن نسعى إلى مثلث استراتيجي مع إيران وباكستان».
ويقول الكاتب، إنه فوجئ آنذاك بمدى بساطة طرح الفكرة، لكنه ظل يتذكرها منذ ذلك الحين، فيما اكتسبت التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية أهمية جديدة في ضوئها.
وبعد ثمانية أعوام، غابت إيران عن الاتفاق الموقع في مكة، بينما حضرت السعودية. وقد يعني ذلك أن التفكير الاستراتيجي التركي تغير، لكن التصريحات الصادرة حديثًا عن أنقرة تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا.
وتحدث فيدان في وقت سابق من العام عن إمكانية إنشاء إطار أمني إقليمي جديد، بصورة تختلف جذريًا عن تأسيس تكتل طائفي آخر.
ويرى الوزير التركي أن هذا الترتيب ينبغي أن يقوم على الثقة، وأن يمنع الهيمنة التركية أو العربية أو الفارسية، وأن يبدأ بدولتين أو ثلاث قبل أن يتوسع ليصبح شاملًا على نطاق أوسع. كما شدد على ضرورة ألا يتحول إلى معسكر جديد في مواجهة معسكر منافس.
وفي هذا السياق، ينبغي فهم تأكيد فيدان بعد توقيع اتفاق مكة أن الوثيقة لا تستهدف إيران. فغياب إيران عن الاتفاق اليوم لا يعني بالضرورة استبعادها بصورة دائمة غدًا.
تقاربت الدول الثلاث لأن لكل منها مصلحة في الاتفاق، لكنها لا تسعى إلى تحقيق أهداف متطابقة.
تريد السعودية، في المقام الأول، توسيع هامش حريتها الاستراتيجية. فقد اعتمدت الرياض لعقود على واشنطن لتوفير ضمانات أمنها الأساسية.
ولن تختفي هذه العلاقة، كما لا تملك السعودية سببًا لاستبدال شكل من أشكال التبعية بآخر. ما تسعى إليه الرياض هو تقليل تعرضها للخطر أمام أي ضامن خارجي واحد.
وتوفر القوة العسكرية والقدرات النووية الباكستانية مصدرًا للتأمين الاستراتيجي، بينما تمنح القوة العسكرية التركية وصناعاتها الدفاعية المتسارعة مصدرًا آخر.
كما يكتسب التقارب السعودي الإيراني، الذي بدأ عبر الاتفاق الذي رعته الصين عام 2023، أهمية خاصة. فلا تريد الرياض هيمنة إيرانية على الخليج، لكنها لا تريد أيضًا العودة إلى المواجهة الدائمة التي ميزت مرحلة سابقة، بعدما أظهرت الحرب الأخيرة مدى خطورة هذا المسار على دول الخليج نفسها.
أما تركيا، التي أمضت معظم العقدين الماضيين في توسيع هامش تحركها دون التخلي عن عضويتها في الناتو، فترى فرصة مختلفة. فقد تحولت صناعتها الدفاعية إلى أداة متزايدة الأهمية في سياستها الخارجية، بينما امتد نفوذها السياسي إلى البلقان والقوقاز والشرق الأوسط والخليج وأفريقيا وآسيا الوسطى.
ويمنح اتفاق مكة تركيا قناة جديدة لتحويل قدراتها العسكرية والصناعية إلى نفوذ سياسي. لكن طموحات أنقرة قد تتجاوز بيع الأسلحة أو توسيع النفوذ، إذ تنظر تركيا بصورة متزايدة إلى نفسها باعتبارها إحدى الدول القادرة على تشكيل النظام الإقليمي بدلًا من الاكتفاء بالعمل داخل نظام صاغه الآخرون.
وبالنسبة إلى باكستان، التي اعتمدت طويلًا على الدعم المالي السعودي وتنظر إلى تركيا باعتبارها مصدرًا مهمًا للتكنولوجيا والتعاون العسكري والصناعي، يمنحها الاتفاق وزنًا دبلوماسيًا أكبر ودورًا سياسيًا يتجاوز جنوب آسيا.
وتزيد الترسانة النووية الباكستانية من أهمية هذا الدور، لكن إسلام آباد لن تضع مواجهتها مع الهند تحت أولوية المصالح السعودية، تمامًا كما لن تتخلى أنقرة عن علاقتها مع طهران استجابةً للأولويات السعودية.
وهكذا أقامت الدول الثلاث ترتيبات للدفاع الجماعي دون أن تطور تصورًا مشتركًا حقيقيًا للتهديد، وهو تباين ظهر بالفعل في ملف اليمن.
ورغم التناقضات التي تحيط به، يتجاوز الاتفاق حدود الرمزية، إذ ينشئ آلية وزارية وأمانة دائمة. ويمكن أن تتطور أوجه التعاون عبر المناورات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والدفاع الصاروخي والطائرات المسيرة والأمن السيبراني والإنتاج العسكري والتدريب والأمن البحري والمشتريات العسكرية المنسقة.
وقد تنضم مصر أو دول إقليمية أخرى إلى هذا الإطار مستقبلًا.
ومع ذلك، لا يملك اتفاق مكة حتى الآن قيادة عسكرية موحدة معلنة، أو قوة متعددة الجنسيات دائمة، أو آلية نشر تلقائية للقوات، أو خصمًا متفقًا عليه. ولذلك، فهو ليس حلف الناتو، على الأقل في الوقت الراهن، وربما لن يصبح كذلك أبدًا.
لكن ذلك قد لا يكون المعيار الصحيح للحكم على اتفاق بدأت عبره ثلاث قوى إسلامية كبرى في إضفاء الطابع المؤسسي على تعاون أمني خارج الإطار الأمريكي التقليدي.
أين تقع إيران في المعادلة الجديدة؟
لا يتعلق السؤال الأكبر بقدرة اتفاق مكة على احتواء إيران، بل بإمكانية استيعابها مستقبلًا داخل منظومة الأمن الإقليمي الأوسع التي بدأت تتشكل.
ولا يعني ذلك بالضرورة انضمام إيران إلى اتفاق مكة نفسه، إذ يمكن أن تتطور آليات أخرى حوله، ولم يعد من المستبعد تصور نظام إقليمي يضم السعودية وتركيا وباكستان وإيران ومصر ودولًا أخرى.
وتوجد بالفعل أسس لمثل هذا الترتيب. فقد أعادت السعودية وإيران العلاقات الدبلوماسية عبر الاتفاق الذي رعته الصين في بكين عام 2023، وأحيتا في الوقت نفسه اتفاق التعاون الأمني الموقع عام 2001، والتزمتا بالعمل نحو تحقيق السلام والأمن الإقليميين.
وفي الآونة الأخيرة، شددت تركيا والسعودية وباكستان ومصر بصورة مشتركة على ضرورة خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وحذرت من المخاطر التي تفرضها الحرب على الاستقرار الإقليمي والممرات البحرية وأسواق الطاقة والتجارة الدولية. ولا يشبه ذلك سلوك دول تصطف بصورة واضحة داخل معسكرين متواجهين.
أما السيناريو البديل، الذي يتحول فيه الاتفاق إلى تحالف سعودي تركي باكستاني مناهض لإيران، فسيعيد إنتاج نمط إقليمي مألوف.
وسترد إيران على ذلك بتعزيز تحالفاتها، ما قد يدفع السعودية ودول الخليج مجددًا نحو الحماية الأمريكية، وهي الضمانة التي أثبتت الحرب الأخيرة عدم موثوقيتها، ويعيد ترسيخ انقسام المنطقة إلى تكتلات معادية.
أما النظام الإقليمي الذي يجد طريقة لاستيعاب إيران، فقد يقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا.
وإذا تمكنت الرياض وطهران من إدارة تنافسهما بصورة مباشرة، بينما تساعد تركيا وباكستان في تأسيس توازن أوسع بين مراكز القوة الرئيسية في المنطقة، فإن مبررات الوصاية العسكرية الأمريكية الدائمة ستضعف تدريجيًا.
ومن وجهة نظر طهران، قد يمثل ذلك إنجازًا استراتيجيًا أهم بكثير من السيطرة على السعودية أو فرض هيمنة إيرانية على الخليج.
وقد تُذكر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مستقبلًا ليس فقط بسبب فشلها في إجبار طهران على الاستسلام، وإنما أيضًا لأنها دفعت دول المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية خاصة بها.
فلسطين.. الاختبار الحاسم لاتفاق مكة
إذا لم يستهدف اتفاق مكة والمنظومة الأوسع التي تتشكل حوله إيران في نهاية المطاف، فإن إسرائيل هي الطرف الأكثر إثارة للقلق إزاء هذا المسار.
لم تعترف باكستان بإسرائيل، بينما أصبحت العلاقات التركية الإسرائيلية أكثر توترًا بصورة متزايدة. أما مسار التطبيع السعودي مع إسرائيل، الذي بدا وشيكًا قبل 7 أكتوبر 2023، فقد تغير بصورة عميقة بفعل الحرب على غزة وما تلاها من حروب.
ولم تشكل الدول الثلاث تحالفًا عسكريًا ضد إسرائيل، لكن تقاربها يربك الانقسامات التي استغلتها إسرائيل لعقود لمواجهة خصومها بصورة منفصلة، وإقامة علاقات طبيعية مع بعض الدول العربية في الوقت الذي تهاجم فيه دولًا أخرى، والاعتماد على واشنطن لمنع ظهور أي توازن إقليمي قد يفرض قيودًا عليها.
وقد تحمل مشاركة إيران ومصر في ترتيبات أوسع تداعيات أكبر بكثير على إسرائيل. ورغم أن القدرات العسكرية والاقتصادية لهذه الدول لم تكن موضع شك يومًا، فإن ما افتقدته المنطقة طويلًا هو إطار سياسي يربط هذه القدرات بهدف استراتيجي مشترك.
وقد تصبح فلسطين الاختبار الحاسم لقدرة اتفاق مكة على تقديم مثل هذا الإطار.
سعى مفكرون مثل جمال الدين الأفغاني في القرن التاسع عشر ورجال دولة مثل نجم الدين أربكان في القرن العشرين إلى تأسيس إطار يقوم على التضامن الإسلامي والأمن الجماعي، لكن الواقع ظل متأخرًا بصورة مؤلمة عن الخطاب طوال أكثر من قرن.
وبينما كانت غزة تتعرض للدمار، كانت باكستان تمتلك بالفعل أسلحة نووية، وكانت تركيا تمتلك أحد أكبر الجيوش داخل الناتو، وكانت السعودية تمتلك نفوذًا ماليًا ودبلوماسيًا وطاقة هائلًا. ومع ذلك، لم تمنع أي من هذه القدرات وقوع الإبادة الجماعية، وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها.
وإذا كان اتفاق مكة سيعني في النهاية حماية الأنظمة والحدود والمنشآت النفطية وممرات الملاحة، بينما يواصل الفلسطينيون فقدان أرضهم وسقوط الضحايا، فسوف يكون قد أخفق في هذا الاختبار.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، لن يتغير الكثير إذا استُبدل نظام تقوده الولايات المتحدة ومعادٍ لإيران بتحالف «سني» ضد إيران، أو استُبدلت الهيمنة الأمريكية بهيمنة إيرانية أو تركية.
ما يمكن أن يغير واقعهم هو قيام توازن إقليمي مستقل قادر على إدارة المصالح العربية والتركية والفارسية وجنوب الآسيوية، دون السماح للقوى الخارجية وإسرائيل باستغلال خلافاتها.
ورغم أن احتمال توحد العالم الإسلامي وإقامة تحالف دفاعي مستقل عن واشنطن ظل مستبعدًا طوال معظم القرن الماضي، فقد وضع اتفاق مكة كليهما على مرمى النظر.
شرق أوسط ما بعد الهيمنة الأمريكية
يفترض كثيرون أن تراجع قوة مهيمنة يستلزم صعود قوة أخرى لتحل محلها، وأن الصين ستتولى بالتالي دور واشنطن باعتبارها القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة. لكن الصين لم تضطلع بهذا الدور يومًا ولم تسع إليه.
وقال الرئيس الصيني شي جين بينج، خلال كلمته أمام جامعة الدول العربية عام 2016، إن بكين لن تسعى إلى إقامة وكلاء أو مناطق نفوذ في الشرق الأوسط، ولن تحاول ملء أي «فراغ».
وتحتاج بكين إلى إمدادات الطاقة وتأمين طرق الملاحة وتوسيع الأسواق والاستقرار السياسي، كما تستفيد من الحفاظ على علاقات متوازنة مع باكستان والسعودية وإيران وتركيا في الوقت نفسه.
ولا تملك دولة ذات هذه المصالح حافزًا لإعادة إنتاج النموذج الأمريكي.
وأظهر التقارب السعودي الإيراني عام 2023 الطريقة التي تفضل بها بكين التحرك، إذ نجحت الصين في التوفيق بين الرياض وطهران دون إقامة قواعد عسكرية أو تقديم حماية لأي طرف ضد الآخر، ما أتاح للخصمين إدارة علاقتهما بصورة مباشرة.
ولا يمثل اتفاق مكة مشروعًا صينيًا بالتأكيد. فما تزال تركيا عضوًا في الناتو، وتحافظ السعودية على علاقات عسكرية عميقة مع الولايات المتحدة، بينما تملك باكستان تاريخًا معقدًا في علاقتها بواشنطن.
لكن بكين لا تحتاج إلى هذه الدول كحلفاء، بل تستفيد من تراجع اعتمادها على الولايات المتحدة، إذ اعتمد النظام الإقليمي الأمريكي دائمًا على تحالفات حصرية، بينما تتحرك الصين بسهولة داخل شبكة من العلاقات المتعددة والمتداخلة.
وقد يؤدي تراجع الهيمنة الأمريكية إلى ظهور نظام أكثر تعقيدًا، تتوازن فيه عدة قوى فيما تتعامل في الوقت نفسه مع واشنطن وبكين وموسكو.
ولا يزال حجم إسهام اتفاق مكة في تشكيل هذا النظام غير واضح. كما يتعين على إيران أن تدرس ما إذا كان الاندماج في نظام إقليمي أوسع يخدم مصالحها طويلة المدى، وما إذا كان يمكن التوفيق بينه وبين شبكات التحالف والنفوذ التي اعتمدت عليها لعقود.
ومهما يكن، فإن النظام الذي بنته الولايات المتحدة على الاعتماد والانقسام بدأ يتصدع.
وقبل ثمانية أعوام، عندما سأل الكاتب مسؤولًا تركيًا بارزًا عن الاستراتيجية الكبرى لبلاده، تحدث المسؤول عن اصطفاف استراتيجي مع إيران وباكستان.
ورغم أن الاصطفاف الذي ظهر أخيرًا استبدل شريكًا بآخر، فإن احتمال إيجاد إيران مكانًا فيه يظل سؤالًا مفتوحًا. ولا تملك تركيا وباكستان مصلحة كبيرة في إقامة تحالف معادٍ لإيران، كما تملك السعودية أسبابًا قوية تمنعها من العودة إلى مواجهة دائمة مع طهران.
وإذا نجح هذا المسار في جذب القوى الرئيسية في المنطقة إلى ترتيبات أمنية تصنعها بنفسها، فستتجاوز تداعياته إيران بكثير.
وكما هو الحال دائمًا، تظل فلسطين الاختبار النهائي: فقد يثبت اتفاق مكة أنه مجرد ممارسة أخرى لحماية الدول والأنظمة بينما تُدمر غزة، أو يصبح بداية لتحدي الهيمنة الخارجية والانقسام الداخلي اللذين خَدما المشروع الصهيوني لأجيال.
ويتوقف أي من المسارين على ما هو أبعد من التوقيعات التي وُضعت في مكة، إذ يتوقف على مدى استعداد الأطراف الموقعة لتنفيذ الالتزامات والذهاب بها إلى نتائجها المنطقية.
https://www.middleeasteye.net/opinion/mecca-pact-war-iran-end-us-hegemony-middle-east

